أحمد بن علي القلقشندي

249

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لمعت لك من الحروب بوارقها ، وأحسن كما أحسن اللَّه إليك ، ولولا أنّ السيف لا يحتاج إلى حلية لأطلنا حمائل ما نمليه عليك ؛ فما شهد للشّريف بصحّة نسبه ، أزكى من عمله بحسبه ؛ واللَّه تعالى يقوّي أسبابك المتينة ، ويمتع العيون بلوامعك المبينة ، ويمسك بك ما طال به إرجاف أهل المدينة ، والاعتماد . . . وهذه نسخة تقليد بإمرة المدينة النبوية ، وهي : الحمد للَّه الَّذي خصّ بالنّصرة ، دار الهجرة ، وأطلع للإيمان فجره ، بتلك الحجرة ، وطيّب طيبة وأودع فيها سليل الأسرة . نحمده حمدا نأمن به مكره ( 1 ) ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة عبد تمسّك بالحجّ وتنسّك بالعمرة ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي شرّف اللَّه قدره ، وأنفذ أمره ، وأيّده في ساعة العسرة ، وكان أكرم الناس في العشرة ، وأسخى العالمين إذ يبسط بالجود راحتيه فما أسمح عشره ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة ثبتت شجرتها من الأرض فاتّصلت فروعها بالسّدرة ( 2 ) ، وسلَّم تسليما . وبعد ، فإنّ المدينة النبوية معدن الهدى والوقار ، ومسكن الرّضوان والأنوار ، ومهبط الملائكة الأبرار ، ومنزل الوحي في اللَّيل والنهار ، ودار الهجرة

--> ( 1 ) المكر من اللَّه تعالى جزاء سمّي باسم مكر المجازى ، كما قال تعالى : وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . فالثانية ليست بسيئة في الحقيقة ولكنها سمّيت سيئة لازدواج الكلام . وكذلك قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه فالأول ظلم والثاني ليس بظلم . قال ابن الأثير : مكر اللَّه إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه . قال الكفوي : كل مكر في القرآن فهو عمل . ( انظر لسان العرب : 5 / 183 والكليات للكفوي : 4 / 182 ) . ( 2 ) سدرة المنتهى ، وهي شجرة في الجنة . وفي سورة النجم / 14 : ولَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى .